الصفحة الرئيسية › ثقافة

ثقافة فيلم "معركة بنزرت... بورقيبة-دوقول: المواجهة" لألفة شقرون: من تاريخ الحكام إلى ذاكرة الشعوب

نشر في  20 أكتوبر 2026  (12:18)

كان لي شرف حضور العرض الماقبل الأول لفيلم "معركة بنزرت... بورقيبة-دوقول: المواجهة" للمخرجة ألفة شقرون، وقد ذهبت لأكتشف عملا اعرف جيدا انّ المخرجة تحمله في قلبها قبل ان تمرره عبر رؤيتها الخاصة، وقد تابعت عن بعد حيثيات هذا المشروع طيلة الست سنوات التي قضتها في العمل على هذا الوثائقي، وهي ابنة بنزرت التي عاشت عائلتها هذه المعركة التاريخية عن قرب، ومن بين افرادها والدتها التي ستكون احدى الشاهدات في الفيلم.

تُعدّ معركة بنزرت تلك الملحمة التي ألقت فيها فرنسا بكل ثقلها العسكري بناء على أمر مباشر من الجنرال ديغول، لتشهد المدينة على مدار أربعة أيام دامية – امتدت من 19 إلى 22 جويلية 1961 – حصارا وقصفا عنيفين. ولم تتوقف رحى المعركة إلا بتدخل منظمة الأمم المتحدة لفرض وقف إطلاق النار، ممهدة الطريق لمفاوضات أفضت إلى جلاء آخر الجندي الفرنسيين عن ميناء بنزرت في 15 أكتوبر 1963.

هذه الرواية التاريخية الراسخة هي ما يصادفك حتما عند كل بحث في أحداث المعركة، وهي ذاتها الصورة التي كنت أتوقع أن تتجسد أمامنا في الفيلم.

ينفتح الفيلم على لقطة عامة لميناء بنزرت، قبل أن تضيق الكاميرا تدريجيا لتغوص بنا في أزقة المدينة و"سباطها"، ومنها الى احد البيوت اذ نجد انفسنا أمام لقطة متوسطة لشيخ يوقد المدفئة بكل هدوء.

لم اتساءل عن سر افتتاح الفيلم بهذه الطريقة وعلى تتابع هذه اللقطات البصرية ذات الطابع المشبع بروح المدينة، بل أدركت أنني لن أكون أمام مجرد وثيقة تاريخيّة أو أنثروبولوجية جافة، بل أمام مخرجة اختارت أن تروي الحكاية كما عاشتها المدينة في شوارعها وأزقتها وصولا إلى ما استقر في ذاكرة وقلوب سكانها ومن عايشوها عن قرب.

وردت الشهادات على ألسنة أهالي بنزرت من جهة، وعدد من المؤرخين و الفاعلين في تلك الفترة من جهة اخرى، شهادات بدت موجزة في ظاهرها إلا أنها حبلى بالذكريات والأحداث والمشاعر. وقد اعتمدت المخرجة على التركيب الموازي لتمنح الرواية وجوها متعددة: رواية المسؤول زمن الأحداث و الشاهد على العصر كمحمد خذر و حاتم بن ميلاد و غيرهما، وأيضا رواية المستعمر حينها عبر شهادات حيّة لجنود فرنسيين من جيش الطيران ممن خاضوا المعركة.

أما الرواية الأقرب إلى قلبي و التي تعاطفت معها بعمق، فهي رواية متساكني بنزرت حيث تروي والدة المخرجة مثلا كيف عاشت الأحداث و كيف رأتها بعين طفلة الإثني عشر سنة بينما يصرح احد الشيوخ بأنه كان يجب على النساء و الفتيات ان يغادرن المدينة، ليعترف شاهد آخر بأن أول الشهيدات في المعركة كانت امرأة تدعى "حبيبة جبالية " والتي كانت تقود الصفوف الأولى من حراك المقاومة الشعبية.

هنا ندرك ان معركة بنزرت لم تكن مجرد كفاح لتحرير رقعة جغرافية، بل ملحمة تحرير شعب بأكمله، معركة تحرير عقول و عزائم أرهقها الاستعمار واخمد صوتها. وفي الوقت الذي أتت فيه معظم الشهادات في إطار مدروس و مقنن بلقطات قريبة بمستوى الصدر أو لقطات أمريكية تصل مستوى نصف الفخذ مع وضع الشاهد في إطاره الزمكاني في صالون أو مكتب أو حديقة، يأتي ظهور حاتم بن ميلاد ليفرط هذا العقد من الترتيب، اذ يطل وجهه الذي يقتحم الشاشة من زاوية تصوير سفلية، وهو يروي احداث المعركة و كيف عاشها كمدير لمؤسسة الإنتاج السينمائي و الإعلامي للدولة وقتها.

و لو ان شهادته كانت لا تخلو من صدق وهو يسرد تفاصيل توثيقه للجثث صحبة فريقه واصفا كيف كانت جثث العزل ملقاة على قارعة الطريق و كيف انّ هذه الحرب كانت حرب شوارع وحشية إلا انّ حركة يده التي كان يمدها فتلتهم مساحة الشاشة في كل مرة، كانت تشعرني بأن هذه المؤسسة، وما هو الا رمز لها و ليس مسؤولا عن ما حدث في زواياها، هذه المؤسسة التي كانت تحتكر الإنتاج التونسي وقتها، إنما هي اليد العليا وهي المسؤول الأول عن إخفاء جزء من ذاكرتنا. هنا تصرخ صور الفيلم التاريخية والتي جمعتها المخرجة بجهد جهيد من فرنسا والجزائر وتونس لتقول: "لنا السينما حتى لا تموت ذاكرتنا".

تلتقي شهادات الجميع احيانا و تختلف في بعض المواقع، فبين قائل بأن فرنسا كانت في حالة دفاع من هجوم المواطنين المسلحين (احد الجنود الفرنسيين السابقين) و بين مقر بأنّ الجيش الفرنسي غدر بالمتظاهرين العزل (الجيش التونسي)، تأتينا شهادات لا تقول مباشرة هذا ما حدث و إنما لتقول هذا ما عشناه، و هنا تتطابق شهادة التونسيين من متساكني مدينة بنزرت و الفرنسيين الذين ولدوا فيها ثم غادروا و حملوا في حقائبهم ذكرى موطن مازالوا يتوقون اليه. هنا تتحد الروايات لتؤكد انّ الحرب إنما هي الفظاعة و الخوف والموت سواء كنت غالبا أو مغلوبا. هنا تبرز قيمة ما تعيشه الشعوب من آلام في حين ينشغل القادة بالكبرياء الذاتي و إرادة الانتصار مهما كان الثمن.

فيلم معركة بنزرت نبش في ذاكرة الشعوب لا الحكومات، نبش في تاريخ نتناساه وكأننا لا نريده أن ينغص اللحظة الحاضرة، وهنا أعود إلى اللقطة التي تسبق اللقطة الأخيرة في الفيلم حيث تقول الشاهدة الفرنسية التي ولدت ببنزرت ورفضت أن تغادرها إلا بعد انتهاء المعركة اي عند الجلاء: "يدهشني الشباب التونسي اليوم الذي يطمح إلى مغادرة البلاد، في حين نطمح نحن إلى العودة إلى تونس"، تونس السنوات الستون، تونس الذاكرة وما حملته هذه المرأة في خيالها طيلة عمرها، وهي ما خفي عن شبابنا و غطاه غبار النسيان.

فبورقيبة وديغول وسائر الزعماء الذين ذكروا في الفيلم من عبد الناصر مرورا ببن بلة، لم يكونوا إلا مطيّة درامية لتجسيد ما تكتوي به الشعوب زمن الحرب، أما المواجهة الحقيقية إنما هي مواجهة النسيان وطمس الذاكرة.

فيلم ألفة شقرون، فيلم ذكي الطرح ووثائقي كتب بلغة سينيماتوغرافية ناضجة وان كان يميل إلى الذاتية في بعض مواضعه فذلك لا ينقص من قيمته شيئا، فالسينما الوثائقية ليست الواقع وانما نافذة نفتحها على الواقع، وقد اختارت ألفة شقرون ان تفتحها من قلبها لتطل بها على ميناء مدينتها الحبيبة، وهي اللقطة التي ينغلق بها قوس الفيلم، كصورة تتحدى الحروب ومرور الزمن.

ريم الرقيق